الإثنين 11 مايو 2026 02:44 صـ 23 ذو القعدة 1447 هـ
كورة 180
×

المدن العربية الكردية المشتركة تكتب قصص التعايش واستيعاب التنوع

الإثنين 11 مايو 2026 01:13 صـ 23 ذو القعدة 1447 هـ
المدن العربية الكردية المشتركة تكتب قصص التعايش واستيعاب التنوع

سوريا - ليست المدن مجرد عمران من حجر، ولا مجرد شوارع تعجّ بالناس، بل هي ذاكرة حيّة، تختزن في تفاصيلها قصص من مرّوا بها، ومن عاشوا فيها، ومن تركوا فيها شيئاً من أرواحهم.

وعندما نتأمل بعض مدن شمال وشرق سوريا، مثل القامشلي والحسكة، وحلب فإننا لا نقرأ جغرافيا عادية، بل نقرأ نصاً مفتوحاً عن التعايش العربي – الكردي، نصاً كُتب على مدى عقود، وشارك في صياغته الناس البسطاء قبل السياسيين.

في هذه المدن، لم يكن العربي غريباً عن الكردي، ولا الكردي بعيداً عن العربي، فالأسواق واحدة، والمدارس واحدة، والأفراح والأتراح مشتركة، وحتى اللهجات، في كثير من الأحيان، تداخلت وتماهت إلى حدٍ يصعب معه الفصل بينها.

في القامشلي، على سبيل المثال، يمكن أن تسمع اللغة العربية والكردية في الجملة ذاتها، في مشهد يبدو طبيعياً تماما لأهل المدينة، لكنه يحمل في عمقه دلالة كبيرة، مفاده أن التعدد ليس تهديداً بل ثراء.

وفي الحسكة، كما في غيرها من المدن المختلطة، تشكلت أنماط من العلاقات الاجتماعية التي تجاوزت الانتماءات الضيقة، لتؤسس لحالة من القبول المتبادل، حتى في أصعب الظروف.

هذا التعايش لم يكن دائمًا مثالياً، ولم يخلُ من التحديات، لكنه — في مجمله — قدّم نموذجاً واقعياً لما يمكن أن تكون عليه العلاقة بين العرب والكرد حين تُترك لتتشكل بشكل طبيعي، بعيداً عن التوظيف السياسي.

ومع التحولات الكبيرة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، عادت هذه المدن لتكون في قلب المشهد، ليس فقط كمساحات جغرافية، بل كنماذج اجتماعية تستحق القراءة والتأمل.

ففي الوقت الذي تصاعدت فيه النزاعات في أكثر من مكان، حافظت هذه المدن — بدرجات متفاوتة — على نسيجها الاجتماعي، وعلى قدرتها على استيعاب التنوع، رغم كل الضغوط.

وهنا تحديداً، برزت أهمية تسليط الضوء على هذه النماذج، ليس من باب التجميل أو المثالية، بل من باب البحث عن مساحات أمل حقيقية يمكن البناء عليها.

وفي هذا السياق، جاءت مبادرات إعلامية وثقافية، من بينها حملة «تكامل… عرب وكرد، مصير مشترك»، وهي إحدى مشروعات شبكة الاستشراف الدولية للدراسات والإعلام والاستشارات، لتُعيد قراءة هذه المدن من زاوية مختلفة.

وعملت الحملة، عبر محتوى متنوع نُشر على منصاتها في وسائل التواصل الاجتماعي، على إبراز قصص التعايش اليومية، وتوثيق التفاصيل الصغيرة التي تعكس هذا التقارب، من صور الأسواق المختلطة، إلى شهادات السكان، إلى مقاطع فيديو تُظهر الحياة المشتركة كما هي بلا تزييف ولا مبالغة.

ما يميز هذا الطرح، أنه لا يكتفي بالحديث عن “التعايش” كشعار، بل يُقدّمه كواقع ملموس، يمكن رؤيته ولمسه وفهمه.

فحين يشاهد المتلقي هذه النماذج، يدرك أن ما يجمع العرب والكرد ليس مجرد فكرة نظرية، بل تجربة عاشها — وما زال يعيشها — ملايين الناس.

وهذا الإدراك، بحد ذاته، يُسهم في إعادة تشكيل الوعي، وفي كسر الكثير من الصور النمطية التي تراكمت بفعل الصراعات والخطابات المتوترة.

المدن هنا تتحول إلى معلم حي إلى دليل على أن التعايش ممكن، وأن الاختلاف لا يعني الصدام بالضرورة،بل ربما يكون، في كثير من الأحيان، أساساً لتجربة إنسانية أكثر غنى وعمقاً.

ومن هنا، فإن إعادة قراءة هذه المدن، وتسليط الضوء على تجاربها، يجب أن يكون جزءاً من أي مشروع يسعى إلى بناء مستقبل مشترك في المنطقة.

ليس لأن هذه المدن مثالية،بل لأنها حقيقية، ولعل هذا هو أهم ما يمكن أن تقدمه، نموذج واقعي، قابل للفهم، وربما قابل للتكرار.