الخميس 26 فبراير 2026 01:51 صـ 8 رمضان 1447 هـ
كورة 180
Embedded Image
×

الإيمان والحقيقة ونقطة الالتقاء الإنساني في منظور القرآن

الأربعاء 25 فبراير 2026 08:30 مـ 8 رمضان 1447 هـ

أندي هاديانتو
محاضر في جامعة جاكرتا الحكومية/ الرئيس العام لاتحاد أساتذة التربية الإسلامية الإندونيسي

يؤكد القرآن الكريم مرارًا أن مجيء الإسلام لم يكن لإلغاء الديانات السماوية السابقة، بل لتصديق ما أُنزل في التوراة والإنجيل (مصدّقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل). وقد بيّن أن القرآن نزل مصدّقًا للكتب التي سبقته، في سياق رسالة إلهية متصلة الحلقات عبر التاريخ. ومن ثمّ فإن الإسلام لا يقف نقيضًا لتراث النبوة، بل يأتي توكيدًا له وتصويبًا لمساره حين يعتريه الانحراف. فالوحي في جوهره نهر واحد يتدفّق من مصدر واحد، وإن اختلفت مجاريه وصوره. وتنوّع الصياغات لا يغيّر وحدة المقصد، وهو توحيد الله وإقامة العدل بين الناس. ومن هنا فإن قراءة الإسلام بمعزل عن سياقه الرسالي الأوسع تُفقده شيئًا من أفقه الحقيقي. فالعلاقة بين الرسالات ليست علاقة صراع، بل علاقة امتداد وتكميل. وكل رسالة جاءت لتعيد الإنسان إلى الأصل الذي نسيه أو حرّفه عبر الزمن. بهذا المعنى، يشكّل الإسلام حلقة أخيرة في سلسلة الهداية، لا قطيعة معها. إنّه تأكيد للحقيقة لا إقصاء لما سبقها. وفي هذا التصوّر تتأسس نظرة أكثر اتساعًا لتاريخ الأديان.

ويطرح القرآن كذلك رؤية عميقة لسَعة الرحمة الإلهية وعدلها. فهو يقرّر أن من اليهود والنصارى والصابئين من يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحًا، وأن لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وهذا البيان يدلّ على أن ميزان التقييم الإلهي لا يقوم على الاسم الظاهر أو الانتماء الشكلي، بل على حقيقة الإيمان والعمل. فالعبرة ليست بالشعار، وإنما بالمضمون الأخلاقي الذي يجسّده الإنسان في حياته اليومية. ومن هنا يفتح القرآن باب الاعتراف بالخير حيثما وُجد. ولا يحصر إمكان النجاة في دائرة ضيقة من الانتماء الاجتماعي. إنّه يربط الكرامة الإنسانية بصدق التوجّه إلى الله وبالعمل الصالح الذي يترجم هذا التوجّه إلى واقع. فالهوية تكتسب معناها حين تتحوّل إلى مسؤولية أخلاقية واضحة. أمّا إذا انفصلت عن الإيمان الحي والعمل النافع، فإنها تفقد جوهرها. وهكذا يتجلّى عدل الله في نظرته إلى البشر جميعًا دون تمييز ظاهري. كلٌّ يُوزن بميزان ما قدّم، لا بميزان ما انتسب إليه. وهذا أفق يوسّع فهمنا لمعنى النجاة والكرامة في الخطاب القرآني.

وفي منظور القرآن، لا تُختزل الحقيقة في جماعة بعينها اختزالًا احتكاريًا. بل إنه يعترف بوجود فئات مستقيمة وعادلة حتى داخل جماعات قد يُساء النظر إليها في بعض السياقات. فلا يُعمَّم الحكم على الجميع، ولا يُلغى التنوع الداخلي لأي مجتمع إنساني. هذه النظرة تكشف عن إنصاف قرآني يتعامل مع الواقع بميزان دقيق ومتوازن. فالحقيقة قيمة أخلاقية يمكن أن تتجلّى في أكثر من سياق اجتماعي وثقافي. وهي ثمرة التزام بالمبدأ، لا ثمرة انتساب اسمي فحسب. ومن ثمّ يعلّم القرآن أتباعه أن ينظروا إلى الآخرين بعين العدل لا بعين التعميم المتسرّع. فالإنسان مركّب، والمجتمعات ليست كتلة واحدة صمّاء. في كل أمة من يحفظ العهد ويقوم بالقسط ويطلب الحق بصدق. والاعتراف بذلك يفتح بابًا لحوار أعمق وأصدق بين البشر. إذ لا يقوم الحوار على إنكار ما لدى الآخر من خير، بل على اكتشاف المشترك وتعزيزه. وبهذا تتأسس إمكانية اللقاء الإنساني على قاعدة من الإنصاف والوعي والمسؤولية.
ويؤكد القرآن أن البشرية كلّها مدعوّة في أصل فطرتها إلى عبادة إله واحد. فما من رسول أُرسل إلا حمل رسالة التوحيد نفسها، داعيًا إلى إفراد الله بالعبادة ونبذ كل صور الشرك. وهذا الاتفاق في جوهر الدعوة يدلّ على وحدة المصدر والغاية. فالتوحيد ليس شعارًا لاهوتيًا مجرّدًا، بل رؤية وجودية تنظّم علاقة الإنسان بربّه وبالعالم من حوله. ومن الاعتراف بوحدانية الله تنبثق مسؤولية أخلاقية واضحة. إذ لا معنى للإيمان بإله واحد مع قبول الظلم أو الاستعلاء. التوحيد يحرّر الإنسان من الخضوع لغير الله. ويكسر أوهام السلطة المطلقة التي يدّعيها بعض البشر. ومن هنا تتأسس المساواة الإنسانية على قاعدة عقدية عميقة. الجميع عبيد لله، لا سادة على بعضهم بعضًا. فإذا استقرت هذه الحقيقة في الوعي، تبدّلت طبيعة العلاقات الاجتماعية. وصار العدل ثمرة طبيعية للإيمان الصادق.

وعندما انحرفت بعض التجارب الدينية عبر التاريخ تحت تأثير المادية أو الشكلية أو النزعة الإقصائية، جاء القرآن بخطاب يدعو إلى الحوار والعودة إلى الأصل المشترك. فهو ينادي أهل الكتاب إلى كلمة سواء، تقوم على عبادة الله وحده ورفض تأليه البشر للبشر. وهذه الدعوة ليست مساومة عقائدية، بل تذكير بالأساس الذي تنطلق منه الرسالات جميعًا. فالكلمة المشتركة هي التوحيد الذي يجمع ولا يفرّق. ومن هذا الأساس يمكن أن يبدأ حوار صادق. حوار لا يقوم على محو الخصوصيات، بل على احترامها في إطار المشترك الأعلى. كما أن رفض استعباد الإنسان للإنسان يحمل بعدًا اجتماعيًا وسياسيًا واضحًا. إذ يضع حدًا لكل أشكال الهيمنة باسم الدين. فالإيمان الحقّ لا يُنتج استعلاء، بل يرسّخ الكرامة المتبادلة. ومن ثمّ فإن اللقاء بين الأديان يصبح ممكنًا حين يُعاد ربطه بجوهر التوحيد. في تلك اللحظة يستعيد الدين وظيفته الأخلاقية في خدمة الإنسان.

أما في مستوى التشريعات العملية، فإن القرآن يقرّ بوجود تنوّع في الشرائع والمناهج بين الأمم. فلكل جماعة طريقها الذي يناسب سياقها التاريخي والاجتماعي. وهذا التنوع لا يعني تناقضًا في الأصول، بل اختلافًا في التفصيلات بحسب الحاجات. فالمقاصد الكبرى تبقى واحدة: إقامة العدل وتحقيق الصلاح. لكن الوسائل قد تتبدّل تبعًا لاختلاف الزمان والمكان. وهذا يكشف عن حكمة إلهية تراعي تطوّر المجتمعات. فالشريعة ليست قالبًا جامدًا مفروضًا خارج التاريخ. بل هي هداية تتفاعل مع واقع الناس. ومن هنا لا ينبغي أن يُفهم الاختلاف التشريعي على أنه صراع في الجوهر. إنه تنوّع داخل وحدة المقصد. وقد جعل الله هذا التنوع ميدانًا للاختبار: أيّنا أحسن عملًا. فالمطلوب ليس الجدل حول التفصيلات، بل المسارعة إلى الخير. وبهذا يتحوّل الاختلاف من سبب للنزاع إلى دافع للتنافس في الفضيلة.
أما الأحكام التي تنظم شؤون الحياة الدنيا، في المعاملات أو في القضاء أو في العلاقات الاجتماعية، فإنها تتأثر بطبيعة المجتمعات ومستوى وعيها وظروفها التاريخية. فالخطاب الإلهي يراعي طاقة الإنسان وقدرته، ولا يكلّفه ما لا يستطيع. كما أن كل رسالة جاءت بلغة قومها وسياقهم الثقافي، حتى يكون الفهم ممكنًا والتطبيق واقعًا. ومن هنا لا يصحّ التعامل مع النصوص بمعزل عن بيئتها. لأن الشريعة لم تنزل في فراغ، بل في واقع حيّ متحرّك. الثابت فيها هو المقصد، والمتغيّر هو الصورة التنفيذية. فإذا فُهم هذا التمييز زال كثير من التوتر في قراءة الاختلافات. فالقيم الكبرى، كالعدل والرحمة وصيانة الكرامة، لا تتبدّل. إنما الذي يتبدّل هو الإطار التنظيمي الذي يحقّقها. وبذلك يظهر أن الدين يسير مع الحياة لا ضدّها. إنه يوجّهها دون أن يجمدها في قالب واحد.

وبهذا المعنى لا يتحدّث القرآن عن الإيمان باعتباره تجربة فردية معزولة، بل باعتباره روحًا حضارية تصنع ثقافة المجتمع. فالإيمان حين يتحوّل إلى وعي جمعي، يُنتج سلوكًا عامًا قائمًا على المسؤولية. لا يكفي أن يعتنق الإنسان عقيدة صحيحة إذا لم تنعكس في تعامله مع الآخرين. لذلك يربط القرآن دائمًا بين الإيمان والعمل الصالح. فالإيمان الذي لا يثمر عدلًا وتسامحًا يبقى ناقصًا في أثره. ومن هنا تتكوّن الحضارة على أساس أخلاقي. التنوع داخل المجتمع لا يُنظر إليه كتهديد، بل كحقيقة ينبغي إدارتها بالحكمة. والإيمان الصحيح يخفّف من حدّة العصبيات. لأنه يذكّر الإنسان بأن مرجعيته العليا واحدة. وكلما تعمّقت هذه المرجعية، اتسع أفق التعايش. وهكذا يصبح الدين قوة توحيد لا أداة انقسام.

إن الرسالة القرآنية في هذا الإطار تؤكد أن الطريق إلى الله مفتوح لكل من صدق إيمانه وحسن عمله. فلا تُختزل النجاة في حدود ضيقة من الانتماء، ولا تُغلق أبواب الرحمة أمام الساعين إلى الخير. كل إنسان يُمتحن في اختياره الأخلاقي. ولا تُمنح الأفضلية تلقائيًا لمجرد الانتساب إلى جماعة ما. فالقيمة الحقيقية تتجلى في الثبات على الحق والعمل به. وإذا انفصل الادعاء عن السلوك، فقد معناه. لذلك يدعو القرآن إلى مراجعة الذات قبل محاسبة الآخرين. لأن الله أعلم بالسرائر وبما تخفي الصدور. وفي ضوء هذا الفهم يتراجع منطق الإقصاء. ويحلّ محلّه منطق المسؤولية المشتركة عن إصلاح العالم. فالمعيار في النهاية هو التقوى التي يعلمها الله. ومن هنا تتلاقى الإنسانية في سعيها نحو الخير تحت مظلة الإيمان الصادق.
وفي هذا السياق لا يمكن اختزال الإيمان في كونه إرثًا عائليًا أو هوية اجتماعية جامدة. إنه اختيار واعٍ يتطلّب حضور العقل والقلب معًا. فالقرآن يدعو الإنسان إلى التفكّر والنظر في الآيات الكونية والإنسانية. ولا يرضى بإيمان يقوم على التقليد الأعمى. الإيمان الحقّ ينمو في بيئة السؤال والبحث، لا في أجواء الإكراه. لذلك كان الخطاب القرآني محفوفًا بنداءات التعقّل والتدبّر. وعندما يلتقي الإيمان بالعقل السليم، يتكوّن وعي متوازن. هذا الوعي يحصّن صاحبه من الانجرار وراء العصبيات الضيقة. فلا يتحوّل الانتماء إلى أداة إقصاء. بل يبقى منفتحًا على ما لدى الآخرين من حق. ومن هنا تتكوّن شخصية مؤمنة واثقة دون أن تكون متعالية. شخصية تدرك أن الحقيقة أوسع من حدودها الذاتية.

كما يكشف القرآن أن كثيرًا من النزاعات بين أتباع الأديان لم تنشأ من جوهر الرسالة، بل من توظيفها في صراعات المصالح. فعندما يُسخَّر الدين لخدمة السلطة أو الطموح الشخصي، يُشوَّه معناه. وتتحول النصوص من منارات هداية إلى أدوات صراع. هنا يتقدّم الهوى على الهداية. ويغيب المقصد الأخلاقي خلف الحسابات الدنيوية. لذلك يحذّر القرآن من اتباع الأهواء التي تصرف عن العدل. هذا التحذير موجّه إلى الجميع بلا استثناء. فلا جماعة بمنأى عن خطر الانحراف. ومن ثمّ فإن المراجعة الدائمة للنفس ضرورة إيمانية. لأن الدين إن لم يُصن من التسييس المفرط، يفقد نقاءه. وعندما يعود إلى مقاصده الأصلية، يضيق مجال التوتر. ويحلّ محلّ الصراع سباق في الخير والبناء.

وفي الوقت نفسه يرسّخ القرآن مبدأ حرية الاختيار في الإيمان. فلا إكراه في الدين، لأن الحقيقة قد تبيّنت لمن أراد أن ينظر بعين الإنصاف. الإيمان المفروض لا يصنع إنسانًا مؤمنًا حقًا. بل يخلق صورة ظاهرية تخفي فراغًا داخليًا. لذلك كانت الحرية شرطًا لنضج التجربة الروحية. فالإنسان مسؤول عن قراره أمام الله. ولا يستطيع أن يحتجّ بضغوط المجتمع أو البيئة. هذه المسؤولية الفردية تمنح الإيمان عمقه الحقيقي. كما تؤسس لعلاقة محترمة بين المختلفين. إذ لا معنى للحوار إن لم يكن قائمًا على حرية الاقتناع. وهكذا يلتقي مبدأ الحرية مع مبدأ المحاسبة. فيتحقق التوازن بين الاختيار والنتيجة. ويصبح الإيمان فعلًا واعيًا لا مجرد استجابة شكلية.

وفي ضوء ذلك، فإن اللقاء بين أتباع الديانات لا يعني إذابة الفوارق العقدية، بل البحث عن القيم المشتركة التي تخدم الإنسان. فالتوحيد يذكّر الجميع بأنهم ينتمون إلى أصل واحد ومصير واحد. ومن هذا الإدراك تنشأ أخلاق الاحترام المتبادل. لا يُطلب من أحد أن يتخلى عن خصوصيته. وإنما يُدعى إلى أن يقدّم أفضل ما في تراثه من قيم العدل والرحمة. فالاختلاف حين يُدار بوعي، يتحوّل إلى مصدر إثراء. وكل جماعة تستطيع أن تسهم في عمران الأرض وفق رؤيتها. بهذا الفهم يصبح التعدد جزءًا من سنن الله في الخلق. لا تهديدًا ينبغي محوه، بل حقيقة ينبغي استيعابها. وعندها يغدو المشترك الإنساني أوسع من حدود النزاع. ويتحوّل التنوع إلى فرصة للتكامل. في ظل الإيمان بإله واحد يجمع ولا يفرّق.
وفي الخلاصة، يقدّم القرآن تصورًا للإيمان يتجاوز الانغلاق والضيق. فهو يضع الإسلام ضمن سياق رسالي ممتد، ويعترف بجذور الحقيقة حيثما وُجدت. التوحيد فيه ليس شعارًا يفصل، بل أساسًا يجمع. ومن هذا الأساس تنبثق قيم العدل والمساواة والرحمة. فالإيمان الصادق لا يصنع جدرانًا عالية بين البشر، بل يرسّخ الشعور بالمسؤولية المشتركة. ولا يمنح صاحبه امتيازًا تلقائيًا على غيره، بل يحمّله واجبًا أخلاقيًا أكبر. لذلك يصبح معيار التفاضل هو صدق الالتزام والعمل الصالح. وكلما اقترب الإنسان من هذا المعيار، اقترب من جوهر الدين. وهكذا يستعيد الخطاب الديني وظيفته الأصلية في تهذيب النفس وإصلاح المجتمع. فلا يبقى الدين عنوانًا للهوية فقط، بل يتحوّل إلى طاقة بناء حضاري. وفي هذا الأفق تتجلّى نقطة الالتقاء الإنساني على أساس إيماني عميق.

ومن ثمّ فإن التعدّد الديني ليس تهديدًا للحقيقة، بل اختبارًا لعمقها في النفوس. فالقرآن يدعو إلى التنافس في الخير لا في الإقصاء. وكل أمة مطالبة بأن تجسّد أسمى قيمها في واقع الحياة. فإذا فهم التوحيد بوصفه التزامًا بالعدل وكرامة الإنسان، انفتح باب التعاون بين المختلفين. العالم المتنوع يحتاج إلى وعي روحي راسخ، لا إلى صراع هويات. ومن يدرك أن الله واحد، يدرك أن البشر جميعًا شركاء في الإنسانية. عندئذٍ يصبح الحوار خيارًا طبيعيًا لا اضطراريًا. وتتحول العلاقة بين الأديان من التوجّس إلى التعارف. ويبقى الحكم النهائي لله الذي يعلم السرائر. أما على مستوى البشر، فالمسؤولية هي إقامة العدل وبذل الخير. بذلك يلتقي الإيمان بالحقيقة في خدمة الإنسان. ويغدو الدين قوة هداية وسلام في عالم تتعدد فيه الطرق وتبقى الغاية واحدة.